كلمة آل الفقيد

كلمة آل الفقيد

للرفيق خالد عمار بكداش

أيها الرفاق،

أيها الأصدقاء،

أيها الحضور الكريم،

نجتمع اليوم، بعد عام على رحيل الرفيق الدكتور عمار بكداش، الأمين العام للحزب الشيوعي السوري، لا لنستحضر ذكرى قائد غاب عنا فحسب، بل لنستعيد تجربة مناضل كرّس حياته كلها لقضية شعبه، ولحزبه، وللفكر الماركسي اللينيني الذي آمن به، وناضل في سبيله حتى آخر لحظة من حياته.

بالنسبة لي كان أبي، لكنه كان قبل ذلك وبعده رفيقًا علمني، بالفعل قبل القول، أن الشيوعية ليست انتماءً سياسيًا فحسب، بل التزام أخلاقي وإنساني تجاه العمال والفلاحين والكادحين، وتجاه كل من يتعرض للظلم والاستغلال. علمني أن المناضل الحقيقي لا يقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بثباته على المبدأ حين تشتد المحن، وبوفائه لشعبه مهما كبرت التضحيات.

لقد نشأ في مدرسة خالد بكداش ووصال فرحة بكداش، وحمل هذا الإرث بوعي ومسؤولية، وأضاف إليه تجربته الخاصة، فكان قائدًا عرفته الحياة السياسية السورية بمواقفه المبدئية، كما عرفته الحركة الشيوعية العربية والعالمية شيوعيًا أمميًا ثابتًا، لم يساوم يومًا على استقلال قراره الفكري والسياسي.

كان يؤمن أن الدفاع عن الوطن لا ينفصل عن الدفاع عن لقمة الشعب، وأن التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية معركتان لا تنفصل إحداهما عن الأخرى. ولذلك وقف طوال سنوات، مدافعًا عن وحدة سوريا واستقلالها، ومحذرًا من السياسات الليبرالية التي أفقرت الشعب، ومقاومًا كل المشاريع الإمبريالية والصهيونية التي استهدفت وطننا، ومؤكدًا أن الطريق إلى الخلاص لا يكون إلا بقيام سلطة وطنية ديمقراطية، تعبر عن مصالح الشعب، لا عن مصالح المستعمرين وأدواتهم.

وكان يقول إن الشيوعيين لا يختارون معاركهم وفق سهولتها، بل وفق ضرورتها التاريخية. ولذلك بقي مؤمنًا، حتى في أصعب الظروف، بأن الجماهير الكادحة هي القوة القادرة على تغيير مجرى التاريخ، وأن الاشتراكية ليست حلمًا مؤجلًا، بل حاجة موضوعية تفرضها تناقضات الرأسمالية وأزماتها.

أيها الرفاق،

قبل عام، ودعناه بعيدًا عن دمشق التي أحبها، وعن قاسيون الذي كان يرى فيه رمزًا لصمود وطنه. لكن الغربة لم تستطع أن تبعده عن سوريا؛ فقد بقي قلبه فيها حتى آخر نبضة، وبقيت أفكاره بين رفاقه، في كل اجتماع، وفي كل نضال، وفي كل موقف يدافع عن الوطن وعن حقوق شعبه.

وفي هذه المناسبة، أتوجه، باسم عائلتي وباسم كل من عرف الرفيق عمار بكداش، بأسمى معاني التقدير والامتنان إلى الرفاق في الحزب الشيوعي اليوناني، الذين جسدوا أرقى معاني الأممية البروليتارية. لقد احتضنوا أبي في أصعب ظروف حياته، ووقفوا إلى جانبه رفاقًا وأصدقاء، ورافقوه حتى رحلته الأخيرة، مؤكدين أن التضامن بين الشيوعيين ليس شعارًا، بل ممارسة نضالية وأخلاقية تزداد رسوخًا في أوقات الشدة.

أيها الرفاق،

إن الوفاء الحقيقي لعمار بكداش لا يكون بالرثاء، بل بمواصلة النضال الذي كرّس حياته له. يكون بالتمسك بالمبادئ التي لم يساوم عليها، وبالدفاع عن استقلال وطننا، ووحدة أرضه، وعن حقوق العمال والفلاحين والكادحين، وعن الحريات الديمقراطية، وعن حق شعبنا في أن يعيش في وطن سيد، حر، مستقل، تسوده العدالة الاجتماعية.

لقد علمني أبي أن الثقة بالشعب ليست شعارًا، بل أساس كل سياسة ثورية، وأن الحزب الشيوعي يبقى قويًا ما دام متجذرًا بين الجماهير، صادقًا معها، معبرًا عن مصالحها، ومدافعًا عن مستقبلها.

ولهذا، فإننا نعاهدك اليوم، يا أبا خالد، بأن يبقى الحزب الذي أحببته وأخلصت له وفيًا لرسالته التاريخية، وأن يبقى الشيوعيون السوريون، مهما اشتدت الصعاب، أوفياء للمبادئ التي ناضلت من أجلها، ثابتين في مواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية، ومناضلين من أجل وطن حر وشعب سعيد.

نم قرير العين، يا رفيقي وأبي.

سيبقى اسمك حاضرًا في ذاكرة حزبك، وفي ضمير رفاقك، وفي تاريخ الحركة الشيوعية العالمية.

ونحن نعاهدك اليوم، كما عاهدت أنت رفاقك من قبلك، أن تبقى راية الماركسية اللينينية خفاقة في سماء سوريا، وأن يبقى شعار حزبنا الذي حملته طوال حياتك، نبراساً لنضالنا:

الدفاع عن الوطن والدفاع عن لقمة الشعب.

المجد لذكراك الخالدة

عاش الحزب الشيوعي السوري

وعاشت الاشتراكية

15 يوليو 2025

مزيد من المقالات